90s fm

الثلاثاء، ٣١ يناير، ٢٠١٢

الإسكندر الأكبر حين يأكل ساندويتشات الزوجة



من مارسوا الألعاب القتالية يوما ما، من لعبوا الشطرنج يوما ما، القناصة والصيادون، وكلاء النيابة والمحققون والأطباء النفسيون، الصحفيون المهرة..كل هؤلاء يدركون أن هناك لحظة فاصلة..لقاء للعين بالعين..ثم بعدها ينتهي كل شيء.
انظر في عيني من أمامك وسط القتال، هناك لحظة ما تدرك أنه قرر أن ينهزم..انظر وسط دور شطرنج في عيني منافسك كي تدرك أن قطعه تخذله وأن الحصان لا يفرق في يده عن الطابية عن العسكري..انظر في عيني مقنوصك..في لحظة بعينها ينظر إليك ويقول لك اقتلني الآن.
كل الناس..في لحظة بعينها ينهارون ويعترفون..أمام المحقق والصحفي والطبيب النفسي...
هناك ملمح ما يتبين في العين قبل الانهيار فالاعتراف.
زوجتي الحبيبة..كثيرا ما حدقت فيك، شردت ربما –كما بدا لك- بلا تركيز..
لكنني حقيقة كنت أتساءل في كل مرة، متى سأنهزم أمامك تماما وأحكي كل شيء؟ متى سأتكور على نفسي جنينا وأندس بين يديك، فتضميني بحضن كأنه الدنيا.
كنت أنظر في عينيك كي أرى انعكاس عيني، لأتبين لحظة ما قبل هزيمتي، ولكن من خلالك أنت..فكل ما هو من خلالك أنت..محبب إلى، يجيء على نفسي بردا وسلاما..تكونين ناري وأكون إبراهيمك.
معك الأمر مختلف..
عشرت الهزائم اليومية..
في كل نظرة هزيمة تسير بذكرها الركبان..في كل منطوق مني اعتراف لك بشيء ما.
أعرف أنني أعترف لك بكل شيء وإن كان بصياغة ضبابية، تفكين شفرتها يوما ما، لكن منذ الليلة إياها التي تدركينها جيدا (في الثالثة فجرا)..تجردت أمامك من كل شيء واخترت الانهزام الذي ما بعده قومة.
صارحتك بكل مخاوفي، وحكيت لك عن كل الوحوش التي كانت تطاردني في طفولتي بينما "أمي" في العمل لم تجيء بعد.
كنت تمسدين عرقي البارد، وأنا أصف أطياف الوحوش (العجز-عدم الثقة بالنفسة-الخوف من النار-الخوف من الكهرباء-الخوف من الأكل أمام الآخرين-الخوف من قيادة الدراجات-الخوف من اللون الأصفر-الخوف من الإيجوانا-الخوف من الأكواب الزجاجية-الخوف من الأحذية البيضاء-الخوف من رائحة البلاستيك- الخوف من الرفض-الخوف من الخوف).
تشبثت بك، وقلت لك قولتي الدائمة (أنا طفل اتعلق بيكي)..قلتها ككل مرة بينما رأسي مستكينة على كتفك الأيسر (لا الأيمن لو دققتي) بينما أناملي تنقبض عليك خوفا (أناملي لا قبضتي لو لا حظتي).
وفي ارتدادي الطفولي في حضنك، في نومتي الجنينية جوارك، كانت تحدث أشياء غريبة..
بشرتي تصير أكثر نعومة، شعيرات صدري وبطني يصير طولها أقصر، تبدو كما لو كانت رسم الديار لا الديار، يصير كل شيء في كما كانت خلقتي الأولى..طفلُ جدا أصير.
حتى لساني يصير أكثر تلعثما..ألم تلحظي هدجة الصوت وتعثر البدايات كلما هممت بأن أهمس لك بشعر ما؟
على ضفافك أحتمي بك..وأنا الذي لا يطوله السوء ما حيي ولا تقدر عليه جيوش الدنيا (تعرفين أن لي عشرة ملائكة لحمايتي، أدناهم مرتبة يدك الأرض بجناحه دكا)..أتنصل من كل الماضي السيء.
المدهش: لم أعرف مسبقا يا حبيبتي أن قدرتي على الإخفاء والصمت ستتحطم على عتبة أول ساندويتش تعدينه لي قبل الذهاب للعمل..
هكذا ينطلق الصغير بداخلي..
كل الرجال ينهزمون أمام ملامح الحنان، كأن كلهم أيتام بلا أم..كأن حبيباتهم هي أمهاتهن الأصليات.
كنت أسخر من صديقي الذي انهار لمجرد تفاحة دستها زوجته له في حقيبته قبل الذهاب للعمل، فإذا أنا في سوق "الانهيارات" لا أحتاج لأكثر من ساندويتش جبنة، أو شريحة فطير كي أتبعثر كل هذه البعثرة.
(اعتراف أخير: كنت نائمة اليوم، تسللم للمطبخ، أخذت بقية الساندويتشات التي أعددتيها، وشريحة من شطيرتي المفضلة التي كنت تضعيها في فمي أول لقاءاتنا في المطعم الليلي إياه، وذهبت-بعد الاختلاس- للعمل كأني الإسكندر الأكبر)
(فهم جديد: أستوعب الآن فلسفة "عمود" الأكل الذي يصطحبه العمال في وردياتهم بهذا الحرص المقدس..إنهم لا يصطحبون الأكل، بل رائحة الزوجات وأثرهم).

الجمعة، ٢٠ يناير، ٢٠١٢

أن تحبها على ما ذهبت إليه المعتزلة..



ربما كان كارل يانج عالم النفس العظيم، هو الذي ذهب إلى فرضية أن الشخصين اللذين يتصادمان في زحام الشوارع، كل منهما قد أخذ قرار الاصطدام بالآخر-لاشعوريا- قبل نقطة الصدام بحوالي 200 مترا مثلا.
للأمانة: ربما لم يقل يانج هذا..وربما لا توجد نظرية بهذا الطرح..لكني أصدق أن ثمة شيء ما هناك في قلب هذا العالم على هذه الشاكلة، ومن هنا أبدأ معك هذا الخطاب:
حبيبتي..
منذ سنوات مضت وقد أدركت أن نقطة الالتقاء قادمة حتما، رأيتك وسط الزحام، على نحو مشوش، لكن هيئتك وشت بأنك أنت أنت.
(سأصطدم بك، ويضرب البرق ضربته، ويمر وقت سريع، لأفاجأ بنفسي ويداي تشابكان يديك ومعنا خمسة أطفال على الأقل، ثم أتذكر ما جرى بين اللحظتين مندهشا ، لحظة الصدام فلحظة التنبه، ثم سعيدا لأني اختلستك من الزمن ولأن الزمن اختلسني لك، ولأن السماء تواطئت على تمرير هذه الدراما العذبة)
كنت أدرك-قسما بمن رفع السماء بلا عمد- أننا سائران لهذه النقطة حتما، ما جعلني أرسم سيناريوهات محتملة (مكانيا) لهذا الموعد المخزون على جدول أعمال الزمن.
درست خرائط تحركاتك، كنت أقول ربما يكون اللقاء الأول في هذه المكتبة في هذه الأمسية في هذا المطعم..
درست تاريخ ميلادك المتوازن رقميا كأنه سيمفونية عمرية لا مجرد تأريخ عابر..وقرأت كل ما يخص تحركاتك النجمية، وتنبؤاتك الفلكلية..
أخضعت كل ما تقولينه لتحليل مضن، استعنت فيه بكل ما أعرف ومالا أعرف، إلى أن أنتهيت لتصور محكم عنك..
وضعت خارطة تحركاتك المحتملة (محل العمل والسكن وأماكن يحتمل وجودك فيها)، جوار مستقبلك الفلكي، حيال تحليلك النفسي، ثم التقت الخيوط الثلاثة-على وفاق قدري- فكان الاصطدام المرتجى..رغم انقضاء الزحام من مسرح أحداثنا المشترك، بما يجعل من الاصطدام بيننا مجرد تلكيك مدروس لا أكثر.
وفي هذه النقطة الحائرة ..تحاصرني خلاصة أسئلة المعتزلة (أي الحبين كان أسبق انبثاقا من رحم السماء؟ أيهما الحادث وأيهما القديم؟ وهل مقترف حبك خالد في حبك؟....) أقف حيال تساؤل يعبث بيقيني، ويبدده بلا ارتئاف.
إذا كنا حتما صائرين إلى ما صرنا إليه..وإذا ما كانت الإراداتان متعاقدتان منذ سنين مضت، وإذا كانت السماء تغض الطرف كثيرا كي نتقاطع، وإذا كانت ملائكتي الحارسة تسرب لي معلومات عمدية عن كل شيء، وإذا كنت أنت تعرفين هذا كله دون أن أنطقه..
إذا كان هذا-كل هذا- على هذا القدر من الثبات والرسوخ واليقين..لم أفتقدك على هذا النحو الموجع؟
ولم أشك-ورأسك مستكين على صدري- أن المخطط قد تعتريه أي عوامل خارجية تغير من النتيجة النهائية؟
حبيبتي..
كل ما أملكه من حطام الدنيا هو جاكتي المفضل الذي أخلعه عليك في الليالي القارسة البرودة، وزجاجة العطر التي لا تفارق حقيبتي، ونحو عشرين ورقة مالية من فئة لم أتفحصها جيدا ولا يعنيني تفحصها، والكثير من حبك الذي لم يختمر كاملا بعد..
ربما لأن نبؤتي قالت: إذا أحب..كتم..وإذا كتم مات؟
حبيبتي..
كل هذا الإفصاح الذي تعتقدينه..هو الكتمان عين الكتمان..
إذ أن الحقيقة لا تختزلها الحروف مهما كانت الملابسات والدوافع والموهبة.

الأربعاء، ١٨ يناير، ٢٠١٢

تبوء المحاولة دوما بالفشل..أن تحبس أباك

الحياء يكبت الشوق بيني وبين أبي.
نراوغ هذه الحقيقة، بتدبير لقاءات كثيرة خارج المنزل، كي نحتضن بعضنا البعض، كأن في المسافة الزمنية والمكانية لآخرة مرة التقينا، مبرر وجيه لهذا الافتقاد، ومن ثم تنسحب مشروعية كاملة تغطي خجل كلينا من حضن، كلانا في مسيس الحاجة إليه.
العلاقة بيننا متجمدة عند نطقة واحدة برأيه، ومتغيرة كل لحظة برأيي أنا.
يقول لي أنت مازلت صغيرا بعيني، ثم يلتقط يدي-يالهف نفسي على يده- كي يجرني ويعبر بي الطريق، بينما ابتسامة واسعة تجلل ثغري (هل أشاكسه وأقول له أنا لست صغيرا؟).
حين يتحمس-ونادرا ألا يتحمس!- تمتد أنامله الباردة (وفي هذا أمر عجيب، كف يده كأنها قدت من نار! دوما ساخنة حد الالتهاب) إلى معصمي، فأحس كل ما في نفس أبي مصبوب في كبدي.
أرى الزمن يحتم علينا تبادل الأدوار، أن أرعاه هو، وأن يهدأ ويطمئن بالا لأني هناك.
لكني كمن يحاول تكبيل الأسد.
أقول له كثيرا: أنا أفضل منك في كل شيء، إلا أنك أكثر حياء مني!
يغلبه الحياءُ فلا يرد. ولو غالب حياءه لما رد أيضا.
أفتعل معه شجارات كثيرة، كي أرى بريق العصف والعطف في عينيه.
هذا رجل حرق زنزانته ذات مرة، وضرب قائد المعتقل ذات مرة، وركل الذين يعذبونه وهو مقيد وشتمتهم بينما سريان الكهرباء في جسده (تعذيبا) لم يحل بينه وبين الثأر لكرامته.
قال لهم ذات مرة وقد شكلوا لجنة لفحص حالته النفسية، جاء على رأسها قيادي مرموق بالداخلية، لمعاينته في الحبس الانفرادي: يا سيادة اللواء أنا حبست سجنكم بداخلي..أنا حر.
أحاول أن أحبسه داخلي، وأن أقول له ارتح أنت، لكني يوما لم أستطع حبس رجل سجن معتقلا كاملا بداخله.

الجمعة، ٣٠ ديسمبر، ٢٠١١

اختلاس الزوجة



أحتفظ بتفاصيل كثيرة قيد السرية، لم أبح لك بها.
الأمر الذي جعل حبي لك اختلاسيا في درجة من درجاته. أي نعم أحبك كما يحب أي زوج مخلص زوجته، وأصارحك بخبر كل ذرة من كياني : كيف مالك لك وفيم الميل كان، لكنما هناك ما هو يعتمل تحت سطح هذا الستر المفضوح من الهوى.
أحبك على نحو سري بيني وبين نفسي، بتفاصيل كثيرة أحفظها عنك لم أبح وربما لن أبوح بها أبدا.
كمراهق، أنزوي على نفسي، معك كنت أم لا، وأغمض عيني، أسترجع العطر وأستبين الملامح وأذوب في الانثناءات..
أصيخ لنبرتك المترددة في صدى نفسي، وأواريك كلك بداخلي، حتى دون أن تعلمي أنت شيئا.
وربما في هذا السلوك، فصام الذي لا يصدق أنك معه.
ربما فيه، ارتداد لمراهقة نقية أولى، ليس في قاموس عواطفها سوى الاختلاس.
طرف شالك المعلق، أضمه إلي، وأستنشق عطرك فيه، فيكون في نفسي كفاية إلى حين.
انظري..انظري..عندي ترجيح..
كل هذا الاختلاس وكل هذا الانغلاق على حبك..ربما لأنني لا أصدق أنك معي حقيقة.
ونهاية: لو كنت موجودة معي، فهذا هو حالي..وإن لم تكوني، فها قد عرفت مقدار ما اختسلته من سيرتك وطيفك وعطرك.

الثلاثاء، ٢٧ ديسمبر، ٢٠١١

لماذا أحلم بالشرطة العسكرية؟ ولماذا يحلمون هم بابن لادن؟



"كان نحو 4 عساكر من الشرطة العسكرية يحيطون بي، ويضعون صواعق كهربائية تحت إبطيَ وعلى صدري" إلى أن استيقظت من الكابوس شبه المؤلم.
حسنا، ما الذي تغير في الأمر كي أحلم الآن بالشرطة العسكرية؟
قبل سنوات، كنت أحلم بصورة متكررة باقتحام أمن الدولة لمنزلنا، على النحو الاكتساحي الذي كان يتكرر من وقت لآخر..
(كتائب وفيالق تكفي لاحتلال إحدى دويلات أوروبا الشرقية، وكمية أسلحة كفيلة بإعادة رسم خريطة التسلح في الحي الذي أقطن به).
ثم يتطور الأمر-في أحلام أمن الدولة وقوات الأمن المركزي ومساعدوهم من القوات الخاصة- لاشتباك عنيف .. يحاولون أن يكبلوني في سريري، بينما أركل يمينا وشمالا وأوجه لكمات لا نهائية، تنتهي عادة إلى أنني أقاتل أجسادا هوائية غير موجودة حقيقة..ثم أستيقظ لأتبين أن الأمر كان مجرد حلم..وأحمد الله على مقاومتي، وأتمنى أن تستحيل يوما ما لاشتباك حقيقي، أنال من أحدهم فيه، حتى ولو قتلني.
كان الأمر بديهيا لي من الناحية النفسية..أن أحلم باقتحامات شرطية متكررة لمنزلي، ومحاولة لاعتقالي (أبي لم يكن طرفا في الحلم، ربما لقناعتي أنهم يطاردونه ولن يجدوه-حسيا ومعنويا-أما أنا فالهدف الأقرب).
أحاول الآن فهم رمزية حلم تعذيبي على يد أفراد من الشرطة العسكرية وأحار حقا.
ليس لي عداوة منهجية مع الجيش، بل مازلت حتى الآن متيما بفكرة "الجيش المصري" بل وأتمنى دوما أن أكون أحد أفراده، رغم إعفائي من الخدمة العسكرية بتأجيلين متتاليين..وأزيحه دوما جانبا بعيدا عن سياسات المجلس العسكري.
بل أتطرف في الفصل، لدرجة التفرقة بين عساكر وضباط الاشتباك المباشر مع المتظاهرين، وعساكر آخرين، يقفون بأماكن مجاورة (كضباط جيش حراسة السفارة الأمريكية بالقرب من مجلس الوزراء) والذين يستنكرون ما يفعله زملاؤهم على بعد مترات منهم!
(لي أصدقاء وجيران وأقارب يؤدون الواجب الوطني بالجيش، سواء ضباط أو عساكر).
قبل 4 سنوات تقريبا كتب بك ميلنوفسكي مراسل بي بي سي أنه كان يحلم بأسامة بن لادن في المرة الأولى التي زار فيها نيويورك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وكان الحلم الذي كتبه ميلنوفسكي في نهاية 2007 في أحد تقاريره الصحفية " كان بن لادن يجلس على بعد مقعدين مني في الطائرة، ولم ألحظه في البداية حيث كان وجهه مختفيا في العمامة التي يرتديها ولكن الرجل الذي يجلس بجانبي همس في أذني بلطف "أعتقد أن الرجل الذي يجلس بجانبي هو اسامة بن لادن وأنا أشعر بالذعر".
ثم يبحث ميلنوفسكي عن آخرين يحلمون ببن لادن، فينتهي الأمر إلى أن كابوس أسامة بمثابة حمى في العالم الغربي!
صاحب المطعم يحلم به كأنه نادل لديه، والرجل العادي يحلم ببن لادن يعرض عليه أن يدفع له ثمن مشترواته من السوبر ماركت، في تنويعات على أسامة تنتهي كلها بطابع جاثومي شنيع.
يسأل المراسل طبيبا نفسيا في نهاية الأمر فيقول له:" ابن لادن وفقا لمصطلحات التحليل النفسي هو الوحش الذي يقترب من القرية وقد ظللنا لمئات وألاف السنين نتخيله في صورة النمر الحاد الأسنان أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
بالأمس جلس بجواري شرطي عجوز، أول ما رأيته، وجدتني لا شعوريا أقول همسا: مرحى بالرجل الطيب. فلم يعد مرأى أفراد الشرطة يثير التوتر أو الجزع، فهم أولئك الطيبون الذين يضربون القنابل المسيلة للدموع فحسب، وبعض الرصاص المطاطي هنا وهناك، لكنهم لا يدهسون بالمدرعات، ولا يضربون على هذا النحو الوحشي.
هناك حالة استبدال وإحلال قاسية تجري للوعي العام للمصريين، استبدال رموز الشر، وتغير القيم.
أنا مازلت عند رأيي، لقد حدثت تطورات وتحورات نفسية عميقة في الشخصية المصرية، لا يمكن إهمالها بحال من الأحوال.
أقول لحبيبتي: انتظريني عند السلك الشائك بالقرب من نقطة الاعتصام، والسيدة العجوز على ناصية منزلي تستوقف توكتوك وتقول له: خدني لحد المدرعة اللي ع الناصية يا ابني..وبائع العسلية المفضل لي يناقشني في ضرورة الالتجاء لحكومة ائتلافية!
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أعود لأفراد الشرطة العسكرية الذين يختارونهم وفقا لطول قاماتهم الذي يزيد على قامتي بنحو 15 سنتمتر كاملة، وأعود لدروعهم، ولملابس الاشتباك التي تحيلهم من مجرد جيران وأصدقاء وأبناء وطن واحد، لكائنات غريبة فعلا، هي بصورة أو بأخرى تنويعة لصورة النمر الحاد الأسنان.." أو بمعنى آخر مخلوق لا يشبهنا".
أكررها مؤكدا!

الاثنين، ٢٦ ديسمبر، ٢٠١١

في دحض هواجس الزوجة




ارفعي عنك كل هذا الحرج، ودعي كل هذه الهواجس:
الوزن: لا تتهيبي من زيادة وزنك، أنا زوجك الذي يبتهج كلما زاد الحيز الذي تشغلينه من الكون..ليت الكون ملؤك أنت ولا سواك..كثفي وجودك في هذا العالم..فأنا أحتاجه.
شيب الشعر: حين يبيض شعرك، كخيوط فضة منسابة، سيكتمل بهاؤك القمري، وتستحيلين شبيهة بإحدى سيدات قبائل الهنود..اللوائي كان يتم تأليههن بعد الوفاة (جمال وكبرياء).
تهدل البشرة: هل تعتقدين أن بشرتي ستكون نضرة يومها؟ دعينا نتهدل سويا ونقتسم ضعفينا معا.
أخالك بعد أربعين سنة من الآن (أو سأعيش أنا لذا الحين؟) بينما مشيئتك الوئيدة لا تفرق كثيرا عن حركتك الظبائية..قفزات مبتهجة متتالية..ريمُ يقطع الفناء ويستقبل صدر الدنيا بكل جموح.
أقلت لك مسبقا أن مشيتك الانطلاقية هذه التي تفعمها الحياة أسرتني أول ما رأيتها؟
كلك يازوجتي..جميلة..دعيني أرى الجمال في كل ملامحه بكل هيئاته وصيغه..دعي عنك كل هذه الهواجس..فإنها أحلامي الجميلات.

الأحد، ١١ ديسمبر، ٢٠١١

السلفيون والثقافة..هل يقرأ عبد المنعم الشحات رجل المستحيل فعلا؟



على نحو بدا كوميديا أكثر منه أي شيء آخر، قال نادر بكار المتحدث الرسمي باسم حزب النور السلفي أن الحزب (والتيار السلفي) لا يعاديان الأدب والفنون، وأنهم يحترمون أعمالا أدبية كرجل المستحيل وروايات أحمد خالد توفيق "ماوراء الطبيعة" وأشعار فاروق جويدة.
تشير الخيارات الذوقية للتيار بأنه في حالة مراهقة شاملة، وليس على مستوى ممارسة السياسة فحسب، والتي يعمد السلفيون إلى اعتبارها فضيلة تعكس قدر برائتهم في مواجهة باقي التيارات المدنسة.
يكف المراهق في مصر عن قراءة رجل المستحيل ببلوغه السادسة عشر، ويميز رداءة شعر فاروق جويدة فور التحاقه الجامعة، ويظل يقرأ أحمد خالد توفيق من باب الحنين، واتساقا مع عذوبة الرجل وإنسانيته المتفلتة من بين سطوره.
ربما نستسلم لطرافة التصريح، الذي-ربما- اعتبره بكار بيانا من فوق سبع سماوات ، ليدحر مزاعم العلمانيين عن معاداة السلفيين للثقافة، وليسعى لحل أزمة تصريحات الشحات حول أدب نجيب محفوظ.
لكن هذا التصريح-بهذه الخيارات- يكشف لنا ما هو أعمق من مجرد "مراهقة".
أعتقد أن السلفيين يميلون للخيارات الوقائية..
فالسلفي طوال الوقت يتوخى المناطق الإشكالية والشائكة التي قد تورده مواضع الشبهات..فهو يريد أدبا بلا مشاهد جنسية ولا تساؤلات عقيدية، ولا نزوع فلسفي مغاير لعقيدته..هو بالأحرى لا يريد شيئا مؤرقا.
وأنا شخصيا أحترم هذه الرغبة وأقدرها جدا..وأتفهمها، وأعتقد أن لكل شخص حق قراءة ورفض ما يريد، وفقا لأي أرضية يستند إليها (ذوقية أو سياسية أو عقائدية).
وهو أمر ليس حكرا على السلفيين فحسب، فاليسار- هذا التوجه الذي قطع أفراد كثيرون منتمون له مسافات في المعرفة والجدل، ربما غير مسبوقة في الوعي الإنساني- يتخذ مسافة قاسية من أدب "جورج أورويل" وآخرين، من الذين بدلوا مذاهبهم وكانوا شيعا!
وبالمثل كانت القطيعة بين الرأسمالية (وملحقاتها من عقائد سياسية واقتصادية وانسانية) وبين أدب آرثر ميللر وهارولد بنتر!
أي أن المعاداة العقيدية بين الجماعات السياسية وبين الأعمال الأدبية ليست بدعا، جاء به السلفيون، ومن ثم هم الأغبياء الرجعيون الظلاميون.
مذهبي الشخصي : إذا لم يعجبك نجيب محفوظ فلا تقرأه..ببساطة!
ولكن ليس من حقك أن تحجر على ذوقي وخياراتي الشخصية، ولن أرهن متعتي الشخصية بمساحة عقلك، ومقدار طموحك ورؤيتك أنت.
أعود مرة أخرى للخيارات السلفية، وأحاول فهم ما ورائها.
أولا: رجل المستحيل.
تمثل هذه السلسلة الصراع بين المخابرات المصرية ممثلة في بطلها أدهم صبري (الخارق جسديا وذهنيا) في مواجهة الموساد.
ومن ثم هي اختزال لا واع-في الذهن السلفي- للصراع بين المسلم و "اليهودي" الذي سنحاربه يوما ما.
ويمكن تمثلها نسبيا في ادعاء شعور وطني، هو في الأغلب وليد ضغوط وليس حقيقيا، لأن وطن السلفي حيث ترامت دولة الإسلام لا حيث ترسمت الحدود الحديثة.
كما أن أدهم معادل موضوعي للقوة والتفوق والنضال حتى النهاية(وإن بفجاجة ولا معقولية)، وهو أمر يشبه رؤية السلفي لنفسه، فهو يكافح ضد آثام عالم لا يتفهم نبله، لكنه سيظل يحارب حتى النهاية.
ثم المرأة في "رجل المستحيل"..فهي إما سونيا جراهام عميلة الموساد العاهرة الشريرة..أو منى زميلة أدهم، وهي عادة مغلوبة على أمرها ومخطوفة ويحررها أدهم!
وهي رؤية مثالية للخيارات المتاحة أمام المرأة في الوعي السلفي: عاهرة شريرة..أو طيبة مغلوبة على أمرها.
ثانيا: ما وراء الطبيعة.
بطل ما وراء الطبيعة "رفعت اسماعيل" شخصية انعزالية يرى في الآخرين مجرد "حضور مزعج" ومقاييس مجتمعية مختلة. ويسعى رفعت لدحض الخرافات دائما، أي نعم هو يسلم بوجود جوانب ميتافيزيقية، لكنه يهدم بعض الأساطير أحيانا، ويتعوذ بالله ويقرأ بعض الآيات القرآنية قبل مواجهة المسوخ والوحوش. بل يورد مؤلف السلسلة في أحد المواضع اقتباسا عن الإمام شرف الدين النووي أثناء مناظرته لأحد المتنبئين.
ما رأيك؟
هو بطل رواية مثالي..لأنه انعكاس كبير للسلفي في المسافة التي يتخذها من المجتمع..ولأنه أول بطل رواية حسب معرفتي يقرأ القرآن في مسايرة الأحداث الدرامية للرواية!
ثم المرأة في "ما وراء الطبيعة"..المرأة هنا دوما إما ثرثارة أو حمقاء أو غيور أو لصة أو شيء طيفي أثيري صعب الوجود والتحقق.
أدب خالد توفيق فضفاض، وعذب وأخاذ فعلا، لكن حين يجيء في صف واحد مع رجل المستحيل وفاروق جويدة (وهذا لن أخوض فيه، فشعره أسخف من أن يقيم) كخيارات سلفية، فأن هناك شيئا ما ، يكشف جوانب هذا السلوك النفسي السلفي.
السلفيون بسطاء، يعتقدون أن بحجاب النساء ستنضبط الموازنة العامة، وبحرق روايات نجيب محفوظ سنحرر المسجد الأقصى، وبهدم تمثال رمسيس سينزل الله علينا من السماء المن والسلوى.
هي عقلية بسيطة، تميل إلى إدراك الكون في إطار معادلات خطية، لا معادلات مركبة.
أدب نجيب محفوظ=رذيلة=سخط من الله=عدم بركة في الرزق والعمر.
ثم هي عقلية "النص" لا الجدل..ويرتبك السلفي ويضطرب حين لا يستند إلى نص.
وإذا استدرج السلفي لنص غير النص الذي عهده..يحس بالضياع، وبشتات المرجعية (لو أنها ضربت وتر الاقتناع فيه) ومن ثم هو يريد أن يستأنف حياته وفق المعادلة الخطية المطمئنة جدا.

الأربعاء، ٧ ديسمبر، ٢٠١١

في مسألة الرفق بالصبية

يتحجج أبي دوما بحديث شريف لم أسمعه من أحد مطلقا سواه، ومضمون الحديث الذي لا أتذكر نصه: أن الجنة جزاء من أدخل البهجة على قلب صبية صغيرة أو طفل.
يحتمي أبي بهذا الحديث، حين يحاول أن يبرر تعاطفه مع كل الأطفال والبنات الصغيرة في عائلتنا والعائلات المجاورة.
كدت أموت شماتة فيه، حين اضطر للبحث عن ساعتين، عن حقيبة سوبر مان أو هانا مونتانا أو أيا من هذه الأغراض التي يورطه فيه أطفال عائلتي، وكنت أقول له: كي تدرك أنني كنت طفلا وديعا مثاليا لا يطلب شيئا.
وهو في بحثه هذا، ينطلق في الأغلب متورطا في عهد قطعه على نفسه، إذا حصد الصغير الدرجة النهائية سيحضر له كوكب فضائي هدية، أو إذا حفظت الصبية جزء قرآن سيجلب لها شيئا ما خزعبليا.
وأبي يتعامل بقدسية مع الأطفال، ليست لغيرهم في عرفه، فهو لا يتحمل أن يحنث وعدا معهم، ولا يطيق أن يكسر قلوبهم المرهفة..رغم أن هذه القلوب تنسى كل شيء بعد ربع ساعة، ويمكن إلهائها بقطعة شيكولاتة أو أي شيء آخر.
يصدمني أبي مرة أخرى بإرثه المفخخ الكامن في كياني، والذي أكتشفه يوما بعد يوم في مفارقات مختلفة.
بالأمس، والصبية أمامي، أجد في نفسي حيالها، ضعف أبي حيال أطفاله وبناته (أبا وخالا وعما و...و...).
أخلل أصابعي أصابعها وأتمنى لو مسدت شعرها..يتفجر بداخلي نبع خفي فيه ألف أب وأم وعم وخال..ألف من كل فصيل رؤوف.
اسألها فتنطق بطريقة طفولية محببة، ولكنة أقرب للريفية البسيطة: آه وربنا.
تقول لي: آه وربنا، لتحسم لي الصبية شيئي الأشد خصوصية.
أمازح الصبية في مشيي، ألكزها بيدي، فإذاها خفيفة غضة كأنها الطيفُ.
أتمنى لو ضممتها إلى ضمة لا فكاك منها، بينما أتنسم رائحتها، التي تلفتني باديء كل مرة ألتقيها فيها.
وكلما هممت بأمر ما، أنظر إلى برائتها، لوجهها الصبوح الذي ألقى حموله-بتردد- على كتفيك، فأقول أنا أمها وأبوها وبقيتها الباقية.
وفي تدفق السيل مني، ألمسها عن غير قصد، فيجيء في الجسم خدر عجيب.
لولا أثر الصبية في ملمسها، لما عرفت اليوم أنني كنت منقوصا دونها..اليوم جاءت لتكملني.

الاثنين، ٥ ديسمبر، ٢٠١١

فتاة أحلامي..روءة

على نحو أو آخر تظل "نورا" في فيلم "العار" هي فتاة أحلامي.
وذلك منذ الوقت المبكر الذي فطنت فيه إلى أن حياتي المستقبلية ستكون إلى جوار فتاة أحلام، يتم تقنين علاقتي بها في إطار زوجي.
"روءة"..كان اسمها في الفيلم "روءة".
المساندة اللانهائية والدعم للزوج الذي يعمل في الاتجار بالمخدرات..حتى وهي ترص له أحجار الشيشة وتخوض معه نقاشات جدلية حول "صحة" و"خطأ" نشاطه السري..ثم ينتهيان سويا إلى أن اتجاره هو قرارهما المشترك وأن حياة الزوج هكذا..وهي تحبه هكذا..ولا داعي لأي تساؤلات كونية ماداما على نفس موجة البث.
وكان هو بدوره يحبها دون تعقيدات، رغم مشكلة عدم الإنجاب التي كانت تعاني منها.
روءة..وهي تقول له أيوة يا أخويا! يا الله يا الله يا الله..
دوما أحلم بزوجة من هذا الطراز..تقول لي أيوة يا أخويا!
تهتم بالمطبخ على نحو مقدس، جدلية/مشاكسة على نحو لطيف، جسورة وفدائية ك"روءة"...
ربما في تاريخ السنيما المصرية لا أبكي إلا عند مشهد وفاة روءة وهي تساعد زوجها في التقاط شحنة المخدرات من البحر..حين قررت الغوص بنفسها.
هذا المزيج من الحنية والافتداء..والقدرة على خوض معارك الحياة (أيا كانت أبعادها القيمية)..
أريد زوجة تتسلل معي في جنح الليل كي نذهب سويا للحرب في قيرغيزستان، ودعم خلايا المقاومة الشعبية هناك
هذه الزوجة التي تشعر معها أنكما تختلسان علاقتكما من الزمن نفسه، وأنه رغم شرعية كل شيء، إلا أنكما حتى النهاية نابضان دافقان.
لا أريد زوجة تجيد تطرح قراءة جدلية لهيجل أو دريدا..ولن أستمتع حين أخوض مع زوجتي نقاش حامي حول "موتسارت" ام "باخ"..سأكون أكثر سعادة وهي تبرر لي أنها طبخت محشي الكرنب دون محشي الباذنجان، لأنني أحب الأول أكثر.(دعنا نرتبط بالطبيعة).
هذه هي الزوجة التي يمكن أن تستخرج رشاشك الآلي من دولابك، وتفرغ رصاصه في قلب من يقترب منها أو يضايقها..هذه التي تحبك بلا تعقيدات أو خلفيات ملحمية.
الزوجة التي تعتبرك قدرها وتعتبرها قدرك..تتوكأن على بعضكما البعض..وتقاتلان سويا..بل وأحيانا تشتبكان معا.
لا أريد زوجة تحاججني أثناء غضبي..ولا أريد زوجة مكسورة الجناح..ولا أريد زوجة سلبية..أريد واحدة تتحدث بجسارة، ويمكنها تطوير النقاش إلى اشتباك بدني..ينتهي بضحك مشترك..أن نلهو كطفلين معا.
التي تربت على كتفك وأنت تأكل، بينما تمشط شعور الأبناء بعد تحميمهم..هذه هي المعادل الموضوعي للطبيعة الأم.
حيث عاطفتك، وعقلك، متعلقان بها..لأنه لا يوجد خيار آخر. ولأنه لا توجد حيثيات منهجية لتبرير حبك لها، ولا سياقات حاكمة لتمديد أمد العلاقة بينكما (أنتما شخصان متعلمان عاقلان راشدان يبغيان إنشاء أسرة سعيدة، ليبتسما جوار أبنائهما الاثنين "فقط؟" في مضاهاة رديئة لبوسترات تنظيم الأسرة التي تستعرض هذا النموذج الاصطناعي الغبي)..أنت تحبها لأن الأمر هكذا..

الأربعاء، ٢٣ نوفمبر، ٢٠١١

دخان التحرير..الغاز والبطاطا والحجارة والقنبلة



كان المشهد على بساطته وفكاهته دالا.
تلبد سماء التحرير أدخنة غاشمة، يختلط فيها الغاز المسيل، بأبخرة الحرائق، بغبار الأرض، ببقايا حطام متناثر.
وفي سكون وسكينة، يقف بائع بطاطا على مدخل الميدان، تتصاعد أبخرة عربته في "أنزحة" ظريفة، فلا تعلو فوق رأسه مسافة المترين، في حين تبدو داخل تركيب المشهد ككل، لمن ينظر إليه من مسافة تزيد على ثلاثة مترات، كأنها ملتحمة بسحب العدوان الذي تشنه الشرطة، تشابكها وتشاكسها في لا معقولية مدهشة.
وعلى دراجة بخارية مسرعة، يجيء شاب أسود الشعر منهك الملامح فاقد الوعي، إثر استنشاق مكثف للغاز، فيحاول معتصمون إسعافه بوصفات الخميرة المذابة وبرش الماء، وبدلق البيبسي والخل وماشابه من وصفات.
لينقسم المشهد:
شباب
بطاطا
دخان بريء
خميرة
خل
في مواجهة غير عادلة ولا متكافئة مع:
رصاص
قنابل
غاز مسيل
مدرعات
دبابات
سترات عسكرية وخوذات لجنود بلا ملامح

يبدو الأمر كأنه صراع بين الطبيعة والميكنة الباطشة..بين جماهير لا تمتلك موازنات أسطورية وبين أجهزة ووزارات ذات ميزانيات لا يعلم أصفارها إلا الله وحده.
يبدو دخان البطاطا البريء جسورا في اشتباكه مع قنابل الغاز الأمريكي..يبدو ملمح الشاب فاقدا الوعي أكثر إنسانية من السترة العسكرية السوداء والخوذة الجهوم..تبدو حجارة الأرصفة (المستخدمة في أغراض التراشق الوقائي) وثيقة الصلة بالطبيعة ضد رصاص الغدر والخرطوش الفاجع الأثر..تبدو وجبة البطاطا الزهيدة أكثر إنسانية ومرحا وقربا للحياة من "تعيين" الكتيبة المقاتلة على الضفة الأخرى.
يستحيل الأمر جملة واحدة إلى صراع بين الطبيعة وأبنائها..إلى صراع مع الميكنة وصاحب رأسمال شرائها..وصاحب القرار المتحكم فيها.
بين المستوطنين الأصليين للأرض..وبين المحتلين الغاشمين الذين يريدون فرض سيطرتهم.
كان الجميع يتأمل: قنبلة غاز ب50 دولار..يبطل مفعولها خميرة مفروكة ب50 قرشا!
القنبلة/الآلة والدمار والعدوان والمال..تنهزم أمام الخميرة/الطبيعة/ والمبلغ الزهيد الذي ينحدر بعملية الشراء (ذات الأبعاد المعقدة وفق قوانين السوق الحديثة) إلى شيء أقرب للمقايضة في عصور ما قبل "الزمن الأمريكي" وقنابله وأدوات إبادته و"الشركات عابرة الجنسيات".
كان المسيري رحمه الله يذهب إلى أن الانتفاضة الفلسطينية..استدعت انتباه العالم-لاواعيا- لأنها صراع بين الحجارة/الطبيعة..وبين الآلة الإسرائيلية الغاشمة.
وأنا أرى طرفا من هذا فيما يحدث..

الأحد، ٢٠ نوفمبر، ٢٠١١

عبد المنعم رياض تحرير--زيارة ليست أخيرة (لماذا بكى الأزهري هكذا؟)



مفتتح: وقد يهون الزمان إلا ساعة..وقد تهون الأرض إلا موضعا
أقف لليوم للمرة رقم كم في نفس النقطة ؟ لا أتذكر..
من 28 يناير، ل29 يونيو، ل20 نوفمبر..نفس البقعة المسودة من الأرض على بعدة عشرة مترات من مطعم هارديز..
أثر القنابل والقصف سواء..أثر الحطام متشابه حد التطابق.
نفس النقطة التي أبكي عندها كل مرة..تخنقني عبرة الغاز المسيل للدموع وأحس شيئا حارقا في حلقي، بعد أقل من عشر ثوان من استنشاق رائحة أقرب للخل النفاذ.
دمعت عيناي دمعا هينا كأن المشهد يعيد نفسه بصورة لا نهائية التكرار..
وبالقرب مني شيخ أزهري في مقتبل الثلاثينات، يرتدي زيا دينيا رخيص الثمن، رديء الحياكة، أكبر من مقاسه بنحو 20 كيلو جرام يحتاج أن يزادادها كي يملأه.
بدا لي الأزهري في مرته الأولى في الميدان، زيارة بدت استطلاعية ذات فرحة استكشافية فلكلورية بريئة..(فلنر التحرير هذا!)
قطع 4 مترات قادما من خلفي (كنت أراه بينما أشيح بوجهي للخلف متقيا-لاشعوريا-رائحة الغاز الاجتياحية) إلى أن وقف بجواري، وبينما أستدير للخلف كي أعاود الاستناد على بعض الأصدقاء شبه المنهكين بدورهم، كان الأزهري قد قطع شوطا أطول بينما عيناه شاخصتان..
بدا لي كأنه على حافة جبل، وقد قرر المشي بلا نهاية إلى أن تستقبله قوانين الجاذبية وتتعامل معه عند النهاية..كان سيره في اتجاه مصدر القصف، كأنه سير المحتوم أجله.
تشممت كم قميصي وكم البول أوفر (أحرص على تعطير هذا الجزء بكثافة في المعتاد لأنني أتشممه طوال اليوم تنسما للروائح الجميلة، ومجالدة للتلوث)..بينما_بعد أقل من دقيقة_ قد قرر الأزهري العودة وفي عينيه دموع ثاخنات..تقطر عيناه الدمع قطرا، ولا ينساب على وجنته انسيابا.
لم أدر: أهو العرض الفسيولوجي؟ أم هو القرار الشخصي بالبكاء؟
بدا لي وعيناه تهميان، كأنه طفل وديع، بدا وقد ارتد عشرين سنة للخلف، أراه طفلا بزيه الأزهري ينحشر وسط رفقاء قريته في طريقه للمعهد الديني، بينما يتهددهم أحد الشيوخ بخيرزانته التي قدت من سقر: ما لم تحفظ..سأنحرك بخيرزانتي هذي.
أتحلل من خيط الأزهري الذي استغرقني وأتأمل الميدان من حولي: هنا كنت أقف مع أحمد سمير وطلال في السادس من فبراير، وهنا كنت أجتاز الحشود مع حسين في العاشر من فبراير، وهنا كنت أقف جوار سهى في التاسع والعشرين من يونيو.
هنا وقع محمد شهيدا، وهنا أصيب صديق لي...
يتسع المشهد، وتتداخل الذكريات..فالطريق الذي أقطعه لعملي يوميا، يبدأ من ماسبيرو فعبد المنعم رياض، وصولا لجاردن سيتي مرورا بالتحرير..
في هذه المساحة تحديدا، أحس رهافة خطوتي وخجلها..هنا أقف حيث دهست المدرعات شهداء الأقباط، وهنا أمر حيث سقط مينا دانيال..
أصل للتحرير لأتذكر محمد (هو في درجة ابن عمي تقريبا، وقد التقيته مرات في الصغر بينما يحفظني القرآن، ومرات في الكبر بينما نختلف حد الاشتباك نظرا لانتمائه التنظيمي للإخوان، وفي كلتا الحالتين كان ودودا مهذبا أقرب لشهيد منتظر فعلا)..وأقول: هنا سقط محمد برصاص غادر في الثامن والعشرين.
تستحيل الأماكن لبقع سوداء وحمرا ولا لونية..
سوداء: دوما مفحمة بالمسحوقات الناتجة الأثر على ضرب القنبلة بيدي الشاب الأسمر داخل عربة أمن غادرة.
حمراء: بلون دماء سالت، لون نسيج الدم اللزج الملمس، لونُ مسفوحٌ ينطق بالغبن وبالغدر، ويبشر أن ملائكة الله على مقربة تشهد أن القادم هذا..رواح نحو الجنة، نحو قباب النور ونحو الصديقين ونحو الله ليسجد تحت العرش يبث أنينا نحو الخالق يشكو قباض الأرواح الغاشم ذا الرصاصات وذا القنبلة وذا السير الأسود على كتفيه يضم أدوات الشر المثلى.
لا لونية: لأن اللون يكف عن الإيضاح إذا كان الشر يفوق المعقول الأقصى.

الخميس، ١٧ نوفمبر، ٢٠١١

لقد كانت يد الله..أحبك على طريقة ماردونا


سألوا ماردونا عن هدفه المربك المشبوه: هل أحرزته بيدك أم برأسك؟

اعترف بعد سنوات من الهدف: كثير من رأسي، وقليل من يدي.

الحقيقة متدرجة يا صغيرة..لن أقول لك أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..سأقول لك: أحس اليوم أنني لم أعد بمفردي أمام هذا العالم..أنني أثق أنه من الممكن أن أبكي نهاية كل يوم كطفل مزعج إلى أن ينام بينما تمسد أمه شعره.(هذا هو أبرز مشهد لي مع أمي، أتظاهر، طفلا، بأنني نائم وأتركها تمسد شعري، أو أدعي-يافعا- بأنني نائم وأتركها تقبل جبيني).

ثم سألوا ماردونا على هامش إحدى مباريات كأس العالم بعدها بعدة سنوات عن نفس الهدف.

هل أحرزته بيدك أم برأسك كابتن ماردونا؟

فقال: كثير من يدي قليل من رأسي!

الحقيقة لا تأتي بغتة يا صغيرة: لن أقول أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..سأقول لك: كل شيء تغيرت دلالته لمجرد ارتباطه بك: الأماكن والمواقيت وكلمات المزاح المشترك..هل تصدقينيني حين أقول أنني أعرف في أي مكان أنت بمجرد إغماضة عين سريعة، ونفس عميق، أتحد بهما مع روح العالم..أتقصى أثرك: العطر..الملمس..نبرة الصوت..وبقية ملامحك في ذاكرتي (أنا أنسى شكلك بغرابة موجعة! وهكذا شأني مع كل الذين أذوب فيهم كأن هناك إرادة أعلى تضن بهم علي، أحيانا والله أنسى كيف شكلي أنا وأفشل في استدعاء صورة لي، فأتحسس وجهي في الظلام وأعيد ترسيم المعالم والملامح).

سألوا ماردونا بعدها مرة أخرى عن هذا الهدف الإشكاليالذي قسم العالم لفسطاطين، فسطاط الموقنين أنه باليد، وفسطاط المؤمنين أنه بالرأس..

كابتن ماردونا، هدفك الشهير في مرمى إنجلترا(86) ..بيدك أم برأسك؟

قال: لقد كانت يد الله!

الحقيقة لا تأتي بغتة يا صغيرة: لن أقول أحبك وكل هذا الكلام (كلام الكبيرين) الآن..اليوم لدينا 14 طفلا أكتفي أنا بتنسم روائحهم وملاعبتهم سريعا، وأترك لك مهام العناية بهم كما يليق بجسارتك، ووفقما تمليه علي رغباتي الانعزالية..

لا أعتقد أن الظرف الآن مناسب كي أقول لك أحبك، بينما كل هؤلاء الجياع يطالبونك بوجبات ما قبل النوم.

(لمعلوماتك الشخصية ماردونا هو لاعبي المفضل وأعشقه أكثر من بيليه هذا، كما أنني أعسر مثله، وألعب في نفس موقعه بالضبط)

صدقيني يا صغيرة..منذ البداية..بل منذ ما قبل البداية...لقد كانت يد الله.

الجمعة، ١١ نوفمبر، ٢٠١١

الرضا (2)..المنعكش المحبب


نوبة رضا.

السخان لا يتعطل، الماء الساخن متوفر، عطوري المفضلة في دولابي، مصادر الإضاءة متعددة في ركني الغرفة بحيث أخفضها لأقصى مدى يسمح بالقراءة والتأمل.

الكتب في المكتبة على بعد ثلاثة أمتار من السرير، والماء البارد-بدوره- بجوار المكتبة، مج شاي بلبن ليلي دوما على المنضدة الصغيرة البيضاء المجاورة لي.

الملاءة نظيفة، البطانية ناعمة الملمس، الثياب نظيفة ومكوية، أعواد الريحان التي قطفتها من حديقة جاري (عقابا له ومكافأة لنفسي) تعبق الجو.

آكل بسم الله، فيجيء الأكل نورانيا، نشرب بسم الله فينزل الماء هنيئا، نتناول كتاب الله فيتفتق الذهن وتنتعش كل حواس الإدراك.

لا يمر يوم إلا وأدخلت بهجة على قلب أحد..وأدخل آخرون البهجة على قلبي.

(كلمة واحدة تكفي للإبهاج: واحشني-بحبك-ابتسامة لا تكبد مرسلها سوى ضغطتين على الكيبورد مع ضغطة شيفت مطولة)

شعري يثور دوما بعد ساعة واحدة من تصفيفه، فيكون كما أتوق "المنعكش المحبب"..يتسلل لأذني فيدغدني فأضحك.

أعيد تصفيفه فينتظم تارة أخرى.

جسمي مضمخ بزيت جونسون للأطفال..وكل شيء حولي هاديء.

أتناول ديوان المتنبي أو مجلد ميكي..أيهما أقرب.

أشرد قليلا..هناك صديق وفي، وهناك صديقة وفية..هناك دوما حبيبة (ولو على وجل).

أعد نفسي يوميا بأنني في الغد سأفعل أشياء أفضل..لكنني أعود فأتحمم وأتعطر، وأكتفي بإرسال عشرة ابتسامات يومية، مع بعض الكلمات العابرة (أحبك-وحشتني).

ثم أتناول مجلد بطوط أو ديوان المتنبي أيهما أقرب..وأخلد إلى النوم على نفس العهد، بينما شعري يدغدغ أذني.

لك الحمد حتى ترضى.

الثلاثاء، ٨ نوفمبر، ٢٠١١

بل احتضن


لماذا بدا حضن اليوم كاسحا لهذا الحد؟

اجتاحني وبعثرني (ومن ذا الذي يصمد أمام ذراعين معتصرتين، تطوقانه كأنهما اشتبكتا حواليه بلا ربغة في فكاك)..وكالعادة ترك دمعا محتقنا، لا هو باحتباسه ستر، ولا هو بجريانه خفف الوطء.

الاحتضان هو الفعل الأكثر حميمية في عرفي..تطابق الضلوع على الضلوع، تماس عظمتي القص في صدر كل طرف، تكامل الجسدين لوهلة..ذوبان مؤقت.

إراحة الخد على الخد؟ ملمس الجلد؟ رائحته؟ تداخل شعر الشخص الآخر في أذنك؟

لا أعرف.

لكن قطعا كان مسرح الحدث البطل، كل احتضانات المطارات ومحطات القطار ونقاط السفر..دراماتيكية.

تذهب دراسة إحصائية موثقة إلى أن القطع الإذاعية التي تخص القطارات تحظى بأعلى نسبة استماع وتسترعي أكبر قدر ممكن من التركيز، لدى المستمعين.

ولم يفهم القائمون على الدراسة سر هذا الأمر حتى اللحظة.

ربما في حنين السفر، في دفقة الاستقبال، وفراغ الوداع الموحش..ربما في الانتقال من نقطة من مجهول محتمل لمجهول ملتبس.

ربما هذا كله.

احتضنت بطريقتي المعهودة.

يمناي، بأصابعها الخمس في منتصف الظهر، يسراي بأصابعها الخمس تحت العنق، ذقني تضغط كتف محتضني الأيسر، صدري ينطبق على صدره كصخرة لا تتأملد مواضعها.

الصوت في خلفية الاحتضان، هبوط طائرة أو إقلاع قطار لا يهم..التشوش واحد، الزحام واحد، انعدام التمييز واحد..لا يبقى سوى استراقة الوجه المودع (بالفتح والكسر) لك وسط زحام لا ينفض.

أنغرس مكاني وعيناي مثبتتان على موضع واحد، حتى مع انقضاء مغزى التركيز فيه. ومايزال دفء انطباق عظمة القص على عظمة القص، يبث لفح هجيره فيما تحت محجري عيني.